محمد عزة دروزة
45
التفسير الحديث
من يشرك به كمثل من تردّى من علوّ شاهق حيث يتحطَّم وتتمزق أشلاؤه فتتخاطفها الطيور أو تطوّح به الريح إلى المهاوي السحيقة . والآيتان متصلتان كما هو واضح بسابقاتهما سياقا وموضوعا . وما قلناه من احتمال كون الآيات السابقة لهما مكية أو مدنية ينسحب عليهما أيضا لأنها سلسلة واحدة . والمتبادر أن تعبير * ( إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ) * يعني إلَّا ما ذكر تحريمه من قبل في القرآن . وقد ذكر في سورتي الأنعام والنحل تحريم أكل الذبائح التي لم يذكر اسم اللَّه عليها والميتة ولحم الخنزير والدم المسفوح . وقد قال المفسرون ( 1 ) في صدد تعبير * ( قَوْلَ الزُّورِ ) * إن المشركين كانوا يقولون هذه الصيغة في تلبيتهم بالحجّ ( لبيك لا شريك لك إلَّا شريك هو لك تملكه وما ملك ) ، وأن التحذير متّصل بذلك . وورود التعبير في سياق النهي عن الشرك والأوثان وذكر تقاليد الحجّ قد يدلّ على أنه في صدد التحذير من شيء مثل هذا إن لم يكن هو نفسه . ولا سيما أن الصيغة متّسقة مع ما حكاه القرآن عن عقيدتهم باللَّه واعتبارهم الشركاء وبتعبير آخر اعتبارهم شركاءهم ملكا للَّه وخاضعين له . ولقد صارت التلبية التي كانت شركية قبل الإسلام التي ذكرناها قبل في الإسلام خالصة للَّه عزّ وجلّ ( لبّيك اللهم لبّيك . لبّيك لا شريك لك لبّيك . إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ) . تعليق على الأمر باجتناب قول الزور على أن بعض المفسرين ( 2 ) أخذوا الأمر باجتناب قول الزور على عموميته ، ونبّهوا على عظم الإثم الذي ينطوي في قول الزور ، وشهادة الزور ، وأوردوا في صدد ذلك وفي سياق هذه الآية أحاديث نبوية منها حديث قال راويه إن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قام خطيبا فقال : « أيّها الناس عدلت شهادة الزور بالشرك مرتين ثم قرأ
--> ( 1 ) انظر تفسير الآيات في تفسير البغوي والخازن والطبرسي . ( 2 ) انظر تفسير الآيات في الطبري وابن كثير والبغوي والخازن والطبرسي .